البطالة … مشكلة مزمنة تبحث عن حل

كتبهاalaa elden ، في 29 مارس 2008 الساعة: 13:05 م

عنوان البحث

مشكلة البطالة بين تحديات الواقع والحلول الممكنة

665502

اسم الباحث

علاء الدين محمود إبراهيم يوسف

 

طالب بكلية الشريعة والقانون

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذى قدر وهدى …. وعلم الإنسان فاستنار واهتدى …. وصلى وسلم على نبيه خير من راح أو غدا وبعد

خلق الله الإنسان وكرَّمه وأحسن خلقه، وأمده بالعقل، ليستعين به في البحث عن الطرق المشروعة التي يحصل من خلالها على رزقه، إلا أن هناك بعض الفترات التي لا يستطيع بعض الناس -وبصفة خاصة الشباب- أن يجدوا عملاً يتكسبون منه؛ فيتعرضون لما يسمى بظاهرة البطالة.

وأشرُّ شرٍّ يهدد الإنسانيةَ هو وجود عاملٍ عاطلٍ، وهو في أشدِّ الحاجةِ إلى العملِ وقادر عليه، حتى يستطيع الإنفاق على مطالبِ الحياة ويسهم في عمارةِ الأرض، وعبادة الله، وحماية نفسه من صورِ الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.

وتنشأ مشكلة البطالة عندما لا يلتزم الإنسانُ بالفطرةِ السجِيَّةِ التي خلقه الله عليها، أو أنه يسيءُ استخدامَ ما سخَّره الله له من نعم، أو ينحرف عن الرشد في استغلالِ الموارد البشرية والطبيعية، فالإنسانُ هو سبب هذه المشكلة، ولن تحل هذه المشكلة إلاَّ من خلالِ الإنسان الرشيد الذي يُطبق أحكام ومبادئِ الشريعة الإسلامية.

ومن مخاطر مشكلة البطالة أنها تُحطِّم الجوانب المعنوية والنفسية للإنسان، وتُسبب ارتباكًا وخللاً في الأسرة، كما أنَّ لها العديدَ من الآثارِ السياسية السيئة، حيث تُسبب خطرًا على استقرارِ الحكم.

وتأسيسًا على ما سبق، فإنَّ التصدي لها يعتبر من الضرورياتِ الشرعية، والواجبات الدينية، والمسئولية الوطنية، وهي قضية ولي الأمر والمجتمع بأَسْرِهِ، سواء بسواء، ولكن كيف تُعالج هذه المشكلةُ بالفعل والعمل وليس بالقول والأمل؟ هذا ما سوف نتناوله في هذه الدراسةِ بإيجاز؟

وقد قسمت هذا الموضوع بفضل الله تعالي الي مقدمة أعرض فيها الهدف من هذا الموضوع ثم الي مباحث كل مبحث فيه كأنه بحث مستقل يمهد لما بعده من البحوث وينتهي الي نتائج هي ثمرة  هذا البحث وفائدته والله ولى التوفيق . 

الهدف من هذا البحث :

مرحلة الشباب من المراحل المهمة في حياة الإنسان من حيث الإنتاج والعطاء المستمران؛إذ يتمتع الشباب بالنشاط والحيوية, وتعد مرحلة الشباب العصر الذهبي للمجتمع بشكل عام, كما أنّ مصير الأمة في التقدم يعتمد على عزم الشباب.

لكن الصعوبات والمشكلات التي تواجهه تؤثر سلباً عليه فتؤدي للإنحراف واللجوء إلى وسائل غير مشروعة لتحقيق السعادة, فمن أهم هذه المشكلات التي تقف في طريق الشباب البطالة, فالبطالة مشكلة تتربع على صدر الشاب العربي وتقض مضاجعه, وهي تعني عدم القدرة على توفير فرص العمل لمجموعة كبيرة من الباحثين عن العمل والقادرين عليه,

و تمثل البطالة أحد التحديات الكبرى التي تواجه البلدان العربية لآثارها الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة، ومنذ سنوات والتحذيرات تخرج من هنا وهناك، تدق ناقوس الخطر من العواقب السلبية لهذه المشكلة على الأمن القومي العربي، ومع ذلك فإن معدلات البطالة تتزايد يومًا بعد يوم.

و تنعكس بلا شك البطالة التي يعاني منها الشباب على سلوكهم وتلقي بظلالها على المجتمع الذي يعيشون فيه حيث بدأت تظهر في مجتمعنا صورة متكاملة لأوضاع شاذة في شكل تعاطي المخدرات والسرقة والاغتصاب والإحساس بالظلم الاجتماعي وما تولد عنه من قلة الانتماء والعنف وارتكاب الأعمال الإرهابية والتخريبية وهناك فئة أخرى تقوم بالكبت بداخلها مما يتحول بمرور الوقت إلى شعور بالإحباط ويخلق شبابا مدمرا نفسيا وعضويا.

 والمجتمعات الإسلامية -حاليًّا- جميعها تعاني من البطالة، بأنواعها وصورها المختلفة، فذلك يرجع إلى عدم أخذهم بتعاليم الإسلام في هذا المجال.
فلقد علمنا ديننا الحنيف أن العمل عبادة يبتغي المسلم من ورائها رضا الله، والمتأمل في سيرة الأنبياء والرسل يجد أنهم مع ما يشغلهم من أمر الرسالة والدعوة إلى الله كانوا أصحاب مهن، فاحترف آدم -عليه السلام- الزراعة، واحترف نوح -عليه السلام- النجارة، واحترف داود -عليه السلام- الحدادة، واحترف محمد ( التجارة، وكلهم رعي الغنم) كذلك كان أصحاب رسول الله ( أصحاب مهن؛ فكان خباب بن الأرت حدادًا، وكان عبد الرحمن بن عوف تاجرًا)

إن مشكلة البطالة من اخطر المشكلات التى تواجه وطننا العربى نظرا لما لها من آثار سلبية خطيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ، فعلى المستوى الاقتصادي تفقد الأمة عنصرا هاما من عناصر التنمية ألا وهو عنصر الموارد البشرية وذلك سواء من خلال عدم الاستفادة بهم وتهميشهم أو من خلال هجرتهم إلى الخارج أما اجتماعيا فان البطالة توفر الأرض الخصبة لنمو المشكلات الاجتماعية وجرائم العنف والسرقة والقتل والاغتصاب والانتحار .
الخ ، وأمنيا تؤدى إلى انتشار ظاهرة الإرهاب الذى يجد فى أبنائنا العاطلين عن العمل ملاذا له حيث يستغل نقمتهم على حكوماتهم من اجل خدمة أغراضه وأهدافه الإرهابية.

مما سبق نجد أن مشكلة البطالة تحتاج منا إلى الوعى جيدا بخطورتها والعمل على إيجاد الحلول الكفيلة بالقضاء عليها.

معنــى البطالــــة

يقصد بالبطالة في المفهوم الاقتصادي: التوقف عن العمل او عدم توافر العمل لشخص قادر عليه وراغب فيه، وهو ما يطلق عليه مصطلح العاطل.. وهناك شرطان اساسيان يجتمعان معا لتعريف العاطل :

أ- ان تكون قادرا على العمل.

ب- ان تبحث عن فرصة عمل، يقابله الحصول على مستوى الاجر السائد، لكن دون جدوى… كما ينطبق هذان الشرطان على العاطلين الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة، وعلى العاطلين الذين سبق لهم العمل، واضطروا لتركه لأي سبب من الاسباب

ينال تعريف منظمة العمل الدولية للعاطل إجماع العديد من الاقتصاديين حيث تعرف العاطل بأنه

(كل من هو قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ويقبله عند مستوى الأجر السائد لكن دون جدوى(

·    مفهوم البطالة كمشكلة إدارية :

البطالة هى عدم توافر فرص العمل المنتج للقادر عليه . وهذا المفهوم يعنى أن البطالة تظهر فى إحدى صورتين هما :

البطالة الظاهرة : وتعنى أن الأفراد يجدون فرص العمل التى تناسب قدراتهم وتخصصاتهم ومؤهلاتهم التى حصلوا عليها .

البطالة المقنعة : وتظهر من خلال تعيين بعض الأشخاص فى وظائف لا تعود فائدة إنتاجية من ورائها .

فالعمل الذى يمكن أن ينجز خمسة يوكل إلى عشرة ، وقد لا يكون هناك عمل أصلاً يعهد به إلى هؤلاء ، أو خلق فرص عمل روتينية أو هامشية لا يجد فيها الإنسان قدراته وخبراته ومن ثم يتحول الأمر فى النهاية إلى مجرد زيادات إلى أعداد الموظفين ، لا تعود من وراء أعمالهم أى فائدة جديدة تضاف إلى الاقتصاد ، أو توفير الخدمات الإدارية للموظفين ، إذا كان الأمر يتعلق بالمرافق العامة الإدارية .

البطالة من منظور إسلامي:
وإذا تأملنا ديننا الحنيف نجد أنه لم يدع المسلم يعاني من ويلات البطالة، فالمسلم وقته ثمين، يقضيه إما في عمل أو عبادة أو ترويح عن النفس، فلا وقت للضياع أو للانحراف. لذلك فالبطالة من المنظور الإسلامي هي: ألا يجد الإنسان عملاً يكتسب منه ما يكفي حاجته وحاجة أسرته، أما إذا كان الإنسان يعمل عملا يسد من خلاله حاجة من يعولهم، وكان هذا العمل يستغرق ساعة أو ساعتين من يومه فلا يعد في بطالة، ولو ظل باقي يومه بلا عمل. فالإسلام يشغل الإنسان بكثير من المتطلبات الأخرى في يومه: كالصلاة، والذِّكر، وسائر العبادات.

·   حجم ظاهرة البطالة : البطالة أصبحت ظاهرة متفاقمة ، ولقد تضاربت الإحصاءات عن حجمها ففى تقرير للبنك الدولى عن مؤشرات التنمية فى العالم والمصادر عام 2000 قدرت نسبة البطالة بالنسبة لمجموع القوة العاملة فى جمهورية مصر العربية فى العالم 1994 / 1997 بحوالى 11.3% بالمقارنة بالعام 1980 / 1982 حيث كانت النسبة 5.2 % كما كانت نسبة الإناث فى العمالة المؤنثة فى عام 1994 / 1997 حوالى 24.1 % وعن العام 1980 / 1982 بحوالى 19.2 % ونسبة الذكور من العمالة المذكرة فى عام 1994 / 1997 حوالى 7.6 % وفى عام 1980 / 1982 حوالى 3.9 % ووفقاً لإحصاء يناير 2004 قدر أن نسبة البطالة هى 10.7 % (>مليون و 300 ألف نسمة) تبعاً لما أعلنه الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ، وقارن الجهاز بين هذه النسبة والمعدلات العالمية ، ففى ألمانيا 10.6 % وفى فرنسا 9.5 % وفى كوريا الجنوبية 4.4 % كما قدر الزيادة السنوية فى السكان بمليون و 335 ألف و 444 نسمة وتصنف مصر وفقاً لتقارير البنك الدولى ضمن الدول منخفضة الدخل ونسبة لنمو السنوى لسكان الريف 2.1 % كما تحتل مصر الرقم 50 من بين الفقيرة وفقاً لمؤشراته عن التنمية فى الدول النامية مؤشرات الفقر والتنمية التى أثار إليها البنك على هذا النحو تعطينا دلالات على عدم دقة الإحصاءات الرسمية عن البطالة فى مصر والتى أصدرها لجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء ، وحيث يظهر منها عجز الاقتصاد المصرى عن التوسع فى الأسعار والتنمية ، وهذا ما تلاحظه من معدلات بطالة المتعلمين ، فيبلغ عدد الخريجين سنوياً 700.000 منهم 500.000 من الذكور و 200.000 من الإناث ، هذا علاوة على بطالة غير المتعلمين التى تزداد سنوياً فلو ضربنا المعدل السنوى فى 20 سنة ماضية لكان الناتج 700.000 × 20 = 14.000000 مليون متعطل بالإضافة إلى نسبة البطالة المقنعة ، وما يضاف إلى هذا الرقم سنوياً تبعاً لزيادة السكان .

· أسباب البطالة :  ترجع الدولة أسباب البطالة عندنا إلى :

( أ ) الزيادة السكانية : حيث يتزايد عدد السكان سنوياً بما يقرب من المليون نسمة تقريباً ، وهؤلاء ضغطاً على موارد الدولة ، ومن ثم فمن الصعب تحقيق تنمية ، يمكن من خلالها توفير فرص عمل لهذه الأعداد المتزايدة ، علاوة على الجزء الأكبر من الموارد نحو توفير ضروريات الحياة لهذه الأعداد المتزايدة على حساب إعادة استثمارها فى دفع عجلة الاقتصاد القومى .

(ب) ندرة الموارد الاقتصادية : حجم الموارد المتاحة أمام الدولة فى تحقيق التنمية نادر ، خاصة مع التحويلات الكبيرة التى يمر بها الاقتصاد العالمى وانعكاساته على الاقتصاد الوطنى ، وهو الأمر الذى شكل عبئاً إضافياً على الدولة فى تحويل عمليات التنمية .

(جـ) عجز سوق العمل عن استيعاب الخريجين : وهناك أعداد هائلة من الخريجين الحاصلين على مؤهلات بأنواعها المختلفة ، ومع ذلك يعجز سوق العمــل عن استيعاب معظمهم ، ويتصرف ذلك إلى ظهور ما يعرف ببطالة المتعلمين .

آثار البطالة على الناحية الإدارية :

تتأثر كافة عمليات الإدارة سلباً بظاهرة البطالة ، بل لا نكون فعالين إذا ما ذكرنا ن كثيراً من ظواهر مشكلات الجهاز الإدارى ترتبط بهذه الظاهرة سواء فى ذلك المقنعة أم السافرة .

فيلاحظ أن البطالة المقنعة تؤدى إلى :

(1) ضعف الإحساس بقيمة العمل :

وبالتالى ضعف الأداء الوظيفى ، حيث أن كل عمل يتطلب لإنجازه مجموعة محددة من العاملين ، فإذا ما جاوز هذا الحد ، ترتبط على ذلك شعور العامل بعدم قيمة العمل الذى يؤديه ، وبالتالى ضعف معدل الأداء المطلوب منه وانعكاس ذلك على مهارته وكفايته .

(2) التأثير السلبى على نطاق الإشراف والتوجيه :

فضخ عدد من الموظفين لا يتطلبه العمل الإدارى من شأنه أن يوسع من النطاق المحدد لعملية الإشراف والتوجيه من أصل فعالية الأداء ، والتأكد من تحقيق هذا الأداء لمستوى يتفق والمرسوم سلفاً ، ومن ثم تضعف فعالية هذا المبدأ ، وينعكس ذلك بآثار سلبية على الجهاز الإدارى تتمثل فى الاهتمام بالجانب الشكلى فى هذه العملية على حساب الجانب الموضوعى ، وضعف مخرجات الجهاز الإدارى من طائفة المديرين المهرة الذين يشكلون عنصراً هاماً وضرورياً فى نجاح هذا الجهاز .

وهذا هو الموجود فعلاً فى الإدارة العامة فى مصر ، حيث أن المدير الماهر من الندرة بمكان ، وذلك نتيجة فعلية لظاهرة التضخم الوظيفى التى نتحدث عنها .

(3) تأثر التنسيق سلباً :

فهذا العدد غير المطلوب فى الجهاز الإدارى ، يؤدى إلى تعدد المستويات الوظيفية رأسياً وأفقياً ، حتى يمكن استيعاب هذا العدد ، الأمر الذى ينعكس سلباً على عملية التنسيق بين هذه المستويات المختلفة .

(4) التأثر على الترقية : 

حيث يؤدى التضخم الوظيفى إلى قلة الدرجات المتاحة للترقى من الدرجات الأدنى ، الأمر الذى يقصر هذه العملية على بعض الموجود على ذات الدرجة ، وعدم وجود معيار سليم ومنضبط للتمييز بين هؤلاء ، الأمر الذى ينعكس سلباً على غير ويضيف سبباً جديد للإحباط لدى هؤلاء ، وتضعف بالتالى كفاءتهم الوظيفية ، لعدم وجودها لديهم للعمل والإنجاز لأن طريقة الترقى قد أصبح طويلاً أمام وجود هذا العدد من الراغبين فيه ، وبالتالى يقل لدى هؤلاء الحافز نحو تنمية المهارات والتدريب اللذان هما عصب التنمية الإدارية ، وتتحول عملية التدريب بالتالى إلى عملية شكلية بحتة مكلفة للجهاز الإدارى ، دون أن تنعكس عليه بأية تنمية حقيقة .

(5) التأثير فى سياسة الأجور :

وهذا الكم غير المطلوب من الموظفين يجعل الجهاز الإدارى متصلاً بعبء توفير الأجور لهذا العدد على حساب سياسة الحوافز وزيادتها على النحو الذى يحقق حد الكفاية لهؤلاء ، الأمر الذى يؤثر فى كفاءة الأداء الوظيفى ويدفع هؤلاء نحو ممارسة أعمال أخرى إضافية حتى تستطيع بذلك مواجهة أعباء معيشية ، ويتحقق تبعاً لذلك الإضرار بعمله الأصلى وتفشل بالتالى عملية التنمية الإدارية .

(6) صعوبة تحقيق الإصلاح الوظيفى :

فالإصلاح الوظيفى قد يتطلب لتحقيقه إلغاء بعض الوظائف أو إضافة جديدة من نوعية أخرى أو تعديل المسمى الوظيفى ، وغير ذلك من وسائل الإصلاح ، ويقف فى وجه ذلك التضخم الوظيفى ، الذى يتمثل فى كثرة عدد الوظائف ، وزيادة عدد شاغليها ، بقدر يفوق العدد المطلوب .

(7) إرهاق ميزانية الجهاز الإدارى :

تتجه جهود الإدارة العامة فى الدولة إلى تحقيق التنمية الشاملة الأمر الذى يتطلب تعبئة كافة الموارد التى تساعدها فى سبيل ذلك ، وهو دور لا يمكن أن يقوم به غيرها . والتضخم الوظيفى من شأنه أن يعرقل هذه الجهود ، ومن خلال إرهاق الجهاز الإدارى بنفقات طائلة ناتجة عن هذا التضخم وخاصة إذا ما لاحظنا ضعف الموارد المتاحة أمام الدولة الآن .

  أما بالنسبة للبطالة السافرة فتنعكس هى الأخرى على الإدارة العامة بآثار سلبية خطيرة منها :

1- شيوع الوساطة والمحسوبية : فهذا العدد الهائل من المتعطلين يسعى للحصول على فرصة للعمل ، أمام ندرة المتاح منها ، انتشرت ظاهرة الوساطة والمحسوبية ، فأصبحنا نجد فى الجهاز الإدارى ما يمكن أن تطلق عليه الوظيفة بالعائلة ، فمن يشغل مركزاً فى أدنى اعتبار للكفاءة والجدارة فى شغل الوظيفة .

وإذا كانت معادلة التقدم هى الشفافية + الاستقرار = الثقة ، فإن شيوع الوساطة على هذا النحو من شأنه القضاء على طرفى المعادلة ، وبالتالى انعدام الثقة فى المجتمع ، ويقف ذلك بالتالى حجم عثرة أمام تقدم هذا المجتمع . هذا بالإضافة إلى ما تؤدى إليه هذه الوساطة فى ضخ غير الأكفاء فى شرايين الإدارة العامة ، وبالتالى يعدو هؤلاء غير صالحين لتحمل عبء التنمية التى تشدها جميعاً ، هذا علاوة على ما يترسخ فى نفوس هؤلاء من اختلال معيار الاختيار السليم لشغل الوظيفة ، وضعف الإحساس لديهم بالمصلحة العامة .

2- انتشار الرشوة : فأمام ظاهرة البطالة هذا انتشرت الرشوة كوسيلة للحصول على الوظيفة العامة ، ومن ثم فإن من يملك فى بعض الأحيان هو الذى يستطيع أن يحصل على الوظيفة دون اعتبار لمعيار الكفاءة . وهؤلاء الذين تحصلوا على الوظيفة عن طريق الرشوة ، سيكونون بلا شك نبتاً غير صالح فى الجهاز الإدارى ويكون من أثر ذلك إتباع هؤلاء للرشوة وسيلة لقضاء مصالح الناس ، هذا فضلاً عما قد إصلاحيات حتى يعوضوا بذلك ما سبق أن دفعوه فى سبيل الحصول على الوظيفة .

 وأخيراً تؤدى البطالة بصفة عامة إلى أثر خطير على الإدارة العامة وهو :

- الاستبداد الإدارى :

عندما ننظر للبطالة من منظور واسع مجد أنها تؤدى إلى غياب الديمقراطية فى النظام الإدارى فى الدولة ، وهى السبيل الأول لوجود نظام إدارى سليم وفعال ، ذلك أن البطالة تؤدى إلى النظر إلى الوظيفة العامة على أنها طرق النجاة يحلم به المجتمع ، ويرتبط الموظف بوظيفته إلى المدى الذى لا يمكن الفكاك منه ولو حساب لمصلحة العامة وفعالية الوظيفة ، ومن ثم يتحول هؤلاء إلى آلات جامدة فى أيدى طائفة المديرين المستبدين ، ومن يترقى من هؤلاء يباشر سلطته هو الآخر كما تعلم من رؤسائه . أما فى حالة عدم وجود بطالة فإن تعدد فرص العمل واتساعها من شأنها أن تحقق الآمان للمواطن ، ويجعل من أداء الموظف فعال ، دون خوف على مصدر رزق من الضياع من جراء الاستبداد الإدارى .

آثار البطالة على الناحية الاجتماعية :

تعد تنمية الدول اجتماعياً جانباً مهماً من جوانب تقدمها ، بل فى هذا المجال هو الذى يكشف عن مدى ما وصلت من تطور فى المجالات الأخرى الاقتصادية وغيرها . وتقاس التنمية فى هذا الشأن عن طريق ما وصلت إليه الدولة من نجاح فى حل المشكلات الاجتماعية المختلفة هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى من خلال الترقى بالمجتمع نحو مستوى أفضل من ذلك الكائن به . ويتسع مفهوم هذا ليشمل الانتقال بالإنسان إلى وضع يليق بالكرامة ، ويوفر حقوقاً أساسية لا نهضة له إلا باحترامها . وتقف البطالة حجر عثرة فى سبيل تحقيق التنمية الاجتماعية على النحو السابق من خلال ما تفرزه من ظواهر تعد أثراً لها وتؤثر على المرتكزات الثلاثة لملية التنمية الاجتماعية وهى : الكرامة الإنسانية ، واكتساب العلم والمعرفة ، والعيش الإنسانى . 

   وحيث أسفرت البطالة عن :

(1) تخلف النظام التعليمى : فالتعليم هو العامل الأساسى فى أى تنمية اجتماعية ، خاصة فى عالم اليوم الذى غداً فيه التعليم وأصبحت المعلومة قيمة فى ذاتها ، تسهم فى تطوير المجتمع . وتؤدى البطالة إلى الشعور الاجتماعى بعدم وجود جدوى من التعليم ، الأمر الذى يساهم فى النظرة السابقة له ، ومن ثم يؤدى ذلك إلى ضعف كفاءة الخريجين ، وهم الدماء التى تبث شريان الجهاز الإدارى . وارتبط بذلك ضعف الإنفاق من قبل الدولة على التعليم باعتباره مجال الاستثمار الأول ، وأصبح نصيب الفرد فى هذا الإنفاق يقل عن نصيبه فى الدول المتقدمة ، وعن المستوى المطلوب لاعتبار هذا التعليم هو المحرك الأول لعملية التنمية ، ومع تداعيات هذه المشكلة ، تدور كل جهود إصلاح التعليم فى حلقة مفرغة ، ما بقيت ظاهرة البطالة بآثارها الخطيرة فى هذا المجال . ويرتبط بتخلف النظام التعليمى على هذا النحو ظاهرة أخرى خطيرة وهى الأمية إذ مع رداءة مخرجات هذا النظام ، وعدم وجود فرص عمل متاحة أمامها ، فتغيير النظرة إلى التعليم ، وأصبح هناك أعراض الإقبال على التعليم ، لأنه لا يحقق خريجاً على مستوى من الكفاءة والتدريب الفنى الذى يستطيع أن يعتمد عليه المتعلم فى اكتساب مهنة يعتمد عليها فى حياته هذا من جانب .

ومن جانب آخر ، ما يلاحظ من شيوع ظاهرة بطالة المتعلمين ، بحيث أصبح هؤلاء كما مهلا ، وبالتالى فقد غرس هذا الإحساس فى النفوس بعدم وجود جدوى من عملية التعليم ، خاصة ونحن فى مجتمع لديه نظرة غير سليمة ، واعتباره وسيلة للحصول على شهادة ، يحصل بها على فرصة عمل تدر عليه دخلاً ، حتى ولو كانت لا تتناسب مع مؤهله ومهاراته .

وبلا شك أن هذه النظرة تختلف عن نظيرتها فى البلدان المتقدمة التى ينظر فيها إلى التعليم كقيمة مضافة واستثمار حقيقى ، وإعداد للإنسان لكى يسهم فى بناء مجتمعه ، وتنمية بلده بغض النظر عن قيام الدولة بتعيين هؤلاء الخريجين فى وظائف بعد تخرجهم ، ولذا تقوم هؤلاء وإفراز لهم النظام التعليمى مخرجات وكفاءات فنية عالية . ومن ثم ونتيجة لهذا كله ، أصبحت ظاهرة الأمية مشكلة خطيرة تؤرق الإدارة العامة ، وتعوق جهود التنمية ، من خلال إرهاق ميزانية الدولة بنفقات باهظة للقضاء على هذه المشكلة ، ودون أن تحقق هذه الجهود نجاحاً ملموساً ، نظراً لغياب طرف المعادلة الثانى فى عملية الإصلاح ، وتفنى بها وجود نظام تعليمى متقدم ومتطور . ولقد ولدت الأمية هذه ظاهرة الأطفال بلا مأوى ، وأصبحت هى الأخرى مشكلة تبعثر جهود الدولة من أجل مجابهتها ، وغدت الدولة تتكبد المبالغ الطائلة فى مواجهتها والقضاء على تبعاتها ، ومن ثم تراجع معدل التنمية إلى الخلف بدلاً عن التقدم للإمام .

(2) ظاهرة السطحية الثقافية : ارتبط بتخلف النظام التعليمى كأثر للبطالة إهدار الثقافة كقيمة فى المجتمع ، وطفت على السطح ظاهرة التصدع الثقافى لأفراد المجتمع ، خاصة مع غياب الرافد الأول من روافد الثقافة وهو التعليم وقد غدا متخلفاً .

وإذا كانت الدولة المتقدمة تعتبر الثقافة سلعة غالية ، فإن هذا كان هو سبب حضارتها ، وعلى العكس فإهدار هذه القيمة فى مجتمعنا ، ساهم فى عملية الانهيار الحضارى الذى نعانى فيه .

وارتبط بهذه أيضاً ضعف الاتفاق على الثقافة فى الدولة ، وبالتالى ضعف كفاءة مدخلات النظام الإدارى خاصة فى هذا العصر الذى أصبحت فيه المعلومات عنصراً أساسياً فى أى دولة ، وهى المعيار الذى يقاس على أساسه بعدها أو قربها من هدفها فى التقدم ، ولا يمكن لأى دولة تعانى من شيوع ظاهرة البطالة بها أن تصل إلى هذا الهدف .

(3) الإخلال بالعدالة فى توزيع جهود التنمية :

إن التنمية فى ذاتها ليست كافية بل لابد أن يرتبط بها وفى نفس الوقت العدالة فى توزيع جهود هذه والبطالة كظاهرة اجتماعية بالإضافة إلى عرقلتها لجهود التنمية ، قد أخلت بهذا المعيار العادل فى توزيع عائد التنمية المتواضع . فالتضخم الوظيفى يحتاج إلى جزء كبير من ميزانية الدولة ، للوفاء بمرتبات هؤلاء الموظفين ، فى الوقت الذى يعانى هذا الجهاز الضخم من التخلف والترهل ، والبطء فى إنجاز مصالح الموظفين ، ومن شأن هذا أن يولد لدى هؤلاء من المتغلفين نوعاً من الحقد الاجتماعى ، نظراً لاستئثار فئة الموظفين بهذا الجزء الأكبر من موازنة الدولة .

ولقد ترتب على هذا إخلال الدولة بالتزاماتها فى تمويل جاونب اجتماعية أخرى تمس حياة أفراد المجتمع الأساسية ، ومن ثم فقد أصبحنا نلاحظ تخلف النظام الصحى ، بعدم تناسب الموارد المتاحة له مع متطلباته ، وأصبح هناك نقصاً واضحاً فى حصول المواطن على خدمة صحية وحتى إن توافرت فلن تكون جيدة .

آثار البطالة على الناحية الاقتصادية :

الإنسان هو المورد الاقتصادى الأول ، وبالتالى فإن أى تقدم اقتصادى يعتمد أول ما يعـتمد على الإنسان بإعداده علمياً فنياً حتى يتحقق دوره فى الإسهام فى نهضة المجتمع .

وتضعف البطالة من قيمة الفرد كمورد اقتصادى ، ويتحول كم من ــــ إلى طاقات مهدرة ، وبالتالى يخسر اقتصاد هذه الطاقات التى يمكن له أن يعتمد عليها ، كما يتحول كم آخر من هؤلاء إلى طاقات غير فعالة – فى حالة البطالة السافرة ، وبالتالى يعدون عبئاً إضافياً على الاقتصاد القومى بسبب خسارة تتمثل فى توفير الأجور لهؤلاء ، مع عدم وجود عمل فعلى يستحقون عليه مثل هذا الأجر .

ومن الآثار السلبية الأخرى على الاقتصاد والناتجة عن البطالة ، ضعف الكفاءات الفنية التى يحتاجها الاقتصاد القومى نتيجة عدم الاهتمام بالتعليم وبالتالى مع حاجة الاقتصاد لهؤلاء ، تلجأ الدولة إلى الحصول على هذه الطاقات من الخارج الأمر الذى يساعد على إلحاق خسارة كبيرة بهذا الاقتصاد ، ويتحقق بالتالى ضرراً مزدوجاً يتمثل فى عدم وجود تدريب فعلى للطاقة الوطنية ، وضرورة توفير الأجور العالمية لهذه الطاقة الأجنبية ، وتبعاً على ذلك يصعب على أى اقتصاد وطنى أن يتقدم فى مثل هذه الظروف . وينجم عن البطالة ضرراً آخر متمثل فى صعوبة عملية التخطيط الاقتصادية ، إذا أن نجاح أى خطة إنما يعتمد على الموسوعة الكاملة ، وفى ظل وجود الظاهرة محل البحث ، يتأثر المخطط الاقتصادى ، الأمر الذى يدفعه إلى الاتجاه نحو توفير فرص عمل لهؤلاء المتعطلين على حساب الأهداف الفعلية للخطة الاقتصادية التى تحتاج إلأيها الدولة فعلاً للنهوض بها فى هذا المجال ، الأمر الذى يضعف موارد الخطة فى جزء منها ويتجه بالجزء الآخر نحو مشروعات غير فعالة فى تنمية الاقتصاد القومى ، وبالتالى ترتد الدولة إلى الخلف بدلاً من التقدم إلى الأمام ، وتكون النتيجة الحتمية فشل خططها الاقتصادية هذا بالإضافة إلى أن عملية الإنتاج إنما تعتمد على وجود الاستهلاك كعنصر مكمل للاقتصاد ، ومع تعطيل الطاقات البشرية فى جانب الاستهلاك ، يتأخر الاقتصاد القومى نتيجة لتأثر الإنتاج بذلك .

كذلك فقد تضطر الدولة مع وجود هذه الظاهرة إلى التدخل بأساليب غير اقتصادية لعلاجها فمثلاً قد تفرض على القطاع الخاص تشغيل نسبة معينة من العمالة المتعطلة أو تعلق حصول بعض أصحاب المشروعات الخاصة على قروض إنتاجية ، على تشغيل نسبة أخرى من هؤلاء . وهو الأمر الذى قد ينعكس على الكفاءة الفنية التى هى عامل الدفع الأول فى الاقتصاد القومى .

آثار البطالة على الناحية السياسية :

   للبطالة تبعات عديدة على الجانب السياسى فى الدولة ، ويتمثل ذلك فى عدة جوانب فيها :

( أ ) : إفراغ الحقوق السياسية من مضمونها :

حيث أن وجود هذه المشكلة يجعل من ممارسة الحقوق السياسية مجرد مظهر يخفى ورائه نوعاً من الاستبداد بهذه الحقوق ، ما دام أن هم كل مواطن تتوافر لديه طاقة العمل ، هو الحصول على فرصته للعنل ومن ثم يظل هذا هو هدفه الأول ، الأمر الذى يفتح الباب لنوع من استغلال السلطة لهذه المشكلة عن طريق المنع والمنح لفرص العمل على قدر الولاء للسلطة الحاكمة ، ومن ثم تضيع الحقوق السياسية أو يفرغ من محتواها من أجل الحصول على فرص العمل ، ويتوانى أعضاء المجلس النيابى عن ممارسة دورهم الرقابى بفاعلية فى مقابل قيام الحكومة باستخدام سبب توفير فرص العمل .

(ب) : غياب المناخ السياسى الملائم للاستثمار :

إن تحقيق معدلات متقدمة للنمو الاقتصادى يتطلب بلا شك ضخ قدر كبير من الاستثمارات فى شرايين الاقتصاد القومى ، ويعد المورد البشرى عاملاً مهما فى هذا المجال وهذا ما نلاحظه إذا ما قارنا معدلات التنمية فى البلدان المتقدمة بالبلدان المتخلفة ، وهذا كله يتطلب أولاً وقبل كل شىء توفير المناخ السياسى الملائم الذى يتضمن الاستثمار فى ظله ، وتؤدى ظاهرة البطالة إلى افتقاد هذا المناخ الذى يتوقف على الإصلاح السياسى ، وقيام الديمقراطية الحقيقية ، وما يترتب عليها من المحاسبة والمكاشفة والشفافية والمسئولية ، وهو الأمر الذى يعوق تقدم الدولة ويعرقل جهودها .

(جـ) : افتقاد الحق فى التنمية البشرية للفرد :

إن تنمية البشر ينبغى أن تكون هى محور الاهتمام الأول فى أى نظام يسعى إلى التقدم ، ويرغب فى أن يفيق من السبات الذى يحيا به ، ويعد الحق فى تنمية الإنسان أحد أهم الحقوق الحديثة ، ويعتمد هذا الحق على :

(1)   احترام قدرة الإنسان على العمل .

(2)  ضمان استخدام هذه القدرة .

(3)   الاستفادة من عائد هذه القدرة .

وتهدر البطالة بتبعاتها هذا الحق ، ومن ثم تخل الدولة بالتزامها فى توفير فرص العمل المناسبة للقادرين عليه ، وهو التزام أساسى ، وحق من حقوق الإنسان الهامة ولا يتحقق هذا بمجرد عدم التدخل السلبى فيها ، بل أن ذلك يتطلب دوراً إيجابياً للدولة ، ومن خلال خلق المناخ المناسب لاقتصاد تزدهر فيه فرص العمل ، ويجد الجميع فى ظل هذا المناخ الإطار المناسب للعيش الكريم الذى يفنى بكل متطلبات الحياة الإنسانية .

وتهدر البطالة قيمة الإنسان كإنسان له مطالب مادية ومعنوية يحتاج للوفاء بها بحيث لا يمكن أن يكون للدولة أى أعذار فى عدم توفير هذا الحق لمواطنيها ، دون أن يكون سبب ذلك هو فشل خطتها فى التنمية لأسباب تعود إليها هى وقبل كل شىء .

بل إننا نستطيع أن نقول أنه فى عالم اليوم – الذى يعايش متغيرات كثيرة – لم تعد فيه الحقوق والحريات العامة التقليدية كافية للحكم على ديمقراطية النظام السياسى ، بل ينظم إلى ذلك معايير اقتصادية واجتماعية كثيرة فى هذا المجال ، ووجود البطالة وآثارها من شأنه أن يخل بهذه المعايير .

( د ) : توسيع نطاق التبديد السياسى :

تؤثر البطالة على المجال السياسى من خلال فتح مجال جديد يمكن أن ينفذ منه الاستبداد السياسى ، وذلك أنه إذا كان المواطن فى الدولة لا يجد عملاً يستطيع من خلاله أن يسد حاجاته الضرورية ، فإن النتيجة الحتمية ستكون غياب الوعى السياسى لدى المواطنين ، واتجاه الجميع للسعى لتحصيل ومكابدة العيش فى الحياة ولا يمكن أن تتوافر فى ظل هذا الوضع الظروف الملائمة لخلق وعى سياسى لدى المواطنين يستطيعون من خلاله ممارسة حقوقهم السياسى بفاعلية ، ومن ثم تتحول السلطة إلى الاستبداد أمام غياب الدور الفاعل للشعب فى مراقبة سلطات الحكم سواء فى ذلك الانتخابات أم الاستفتاءات أم غير ذلك من المظاهر التى تحول دون الاستبداد . ولذا نلحظ أن هناك علاقة وطيدة بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وازدهار التنمية فى أى دولة فكلما قلت مساحة الديمقراطية تقدم توافر الجور الملائم للتقدم . كما أن وجود اقتصادى من شأنه أن يشيع البطالة ، ومن ثم تغيب الديمقراطية ، ويفتح الباب على مصراعيه للاستبداد .

البطالة هي المشكلة الاجتماعية الأولى في مجتمعات المسلمين اليوم :

  تعد البطالة المشكلة الاقتصادية والاجتماعية الأكثر خطراً في مجتمعات المسلمين اليوم . وتصل معدلات البطالة في بعض البلاد الإسلامية مستويات عالية مقارنة بالدول الأخرى فتصل إلى أكثر من 25% في بعض هذه البلاد ، وتصل بين الشباب (من يقل عمره عن 25 سنة) إلى نحو 50%، بل أن نسبة العاطلين عن العمل من المتعلمين (جامعي أو ثانوي) يمثل في بعض هذه البلاد قريباً من 70% من جملة البطالة فيها .

البطالة في حياتنا المعاصرة هي معنى من معاني الفقر  :

 ان الفقر في حياتنا المعاصرة هو البطالة .ليس فقط ان البطالة تؤدي إلى الفقر والفاقة في كثير من حالاتها ، بل حتى في الحالات التي يتوافر على الفرد الموارد التي تخرجه من حالة الفقر المدقع يبقى للبطالة معنى من أهم معاني الفقر في حياة المجتمعات اليوم .

  والزكاة ومصارفها جميعاً تتصف بالفقر الدائم أو المؤقت (عدا العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) وذلك كان ملائماً أن تتوجه الزكاة اليوم لتمثل سياسة اقتصادية إسلامية للقضاء على البطالة وإستهداف معايير ومؤشرات كلية لتحقيق هذا الغرض ، وتوجيه الدراسات الفقهية لدعم ذلك التوجه وإضفاء ما يحتاج إليه من المشروعية . ان بناء النظام الاقتصادي الإسلامي اليوم  يحتاج إلى تصميم السياسات الاقتصادية التي تجعل من أركان هذا النظام وعناصره الأساسية أدوات فاعلة لبعث الحياة فيه وضمان البقاء له .

 معالم السياسة الاقتصادية التي تقوم على جعل الزكاة أداة لمعالجة البطالة :

 تقوم هذه السياسة على جعل موارد الزكاة أداة لتوليد فرص العمل التي تؤدي إلى معالجة مشكلة البطالة ومعالجة هذه المشكلة الاجتماعية التي تهدد السلام الاجتماعي واستقرار حياة مجتمعات الاسلام المعاصرة ، تستلهم روح فريضة الزكاة وتنهض بأغراضها ومقاصدها التي تسعى إلى القضاء على الفقر بكل صوره واشكاله . ويقوم ذلك على تكوين هيئة إستثمارية تشرف على توجيه أموال الزكاة نحو إنشاء المشاريع التي تخلق الفرص الوظيفية في المجتمع ، تلك التي يستفيد منها العاطلون عن العمل بمعايير وشروط  وإجراءات تحقق الغرض الأساس وهو القضاء على الفقر . وربما كان ذلك على صفة أعمال مؤقتة يستفيد منها الفرد ريثما يجد الفرد فرصة عمل ثابتة في مكان آخر فتكون الزكاة أداة لمعالجة هذا الوضع المؤقت، كما يمكن تبني إجراءات ومعايير أخرى تمنع خروج الاستمارات الزكوية عن مسارها المرسوم وغرضها المحدد وهو محاربة الفقر ومعالجة مشكلة البطالة .

 المشروعية :

 الأصل في الزكاة التمليك ، إذ لا تبرأ ذمة المزكي في نظر جمهور الفقهاء إلا بتمليك مال الزكاة إلى الفقير مباشرة أو تسليمها إلى من يوليه ولي الأمر جباية أموال الزكاة . ولذلك كان اسلوب اخراج الزكاة الذي سار عليه المسلمون في تاريخهم هو إقباض الفقير مال الزكاة لكي يصرفه في أغراضه ومنافعه مباشرة لا أن يستخدم هذا المال في إنشاء المشاريع التي تكون مملوكة لجهة أخرى غير الفقراء حتى لو إتجه نفعها إلى الفقراء بصفة غير مباشرة . وعلى ذلك فإن ما قدمناه من إقتراح يحتاج إلى النظر في مشروعيته ويحتاج إلى نظر فقهي معاصر . على أن المؤيدات الشرعية لهذا الذي إتجهنا إليه كثيرة ومتعددة منها :

        1- قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره الثالثة سنة 1408هـ بشأن توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك للمستحق وهذا نصه :

        "يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع إستثمارية تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة أو تكون بعد تلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين وتوافر الضمانات الكافية للبعد من الخسائر" .

        2- ان الفقهاء نصوا منذ القديم على أن مقدار ما يعطى للفقير من الزكاة يكون ما فيه كفاية العمر ومنهم من قال كفاية سنة . وان من كان ذا حرفة أعطي ما يشتري به أدوات حرفته قل ذلك ام كثر كل ذلك يدل على أن المقصد الأصلي للزكاة هو إخراج الفرد من ربقة الفقر والعوز والحاجة إلى الناس إلى حرية الاعتماد على النفس والغني الذي يجعله قادراً على كفاية نفسة . ولا يتحقق مثل ذلك في يوم الناس هذا إلا بالعمل ، ولذلك كان توفير فرص العمل أنجع السبل إلى تحقيق الغاية والوصول إلى المقصد.

المنهج الاقتصادي الإسلامي لعلاج مشكلة البطالة:

فقد أرسى الإسلام قواعد أساسية تحث كل مسلم على السعي و العلم و العمل الجاد والمثمر والمفيدوالإسلام يحارب الكسل والاتكالية وعدم السعي ولقد وجّه القرآن الكريم الأنظار الى العمل والانتاج، وطلب الرزق، فيقول الله تعالى "فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه" سورة الملك:15. وقال: (فإذا قُضيت الصلاةُ فإنتشرُوا في الارض وابتغوا من فضل الله). (الجمعة / 10)
وأرسى الإسلام قواعد أساسية تحث كل مسلم على التنمية
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والصناعية والزراعية. وأن تكون التنمية متواصلة ومستمرة لتحقيق رخاء الدولة والمجتمع .انظر مثلا الى احكام المزارعة والاستصناع حرّم الاسلام ومنع اكتناز الاموال وتعطيلها عن الحركة وامر باستثمارها واداء الحقوق المترتبة على ذلك ..
وقد رتب الله تعالى على كنز الأموال وعيداً مرعباً
لمن يتق الله ويخاف حسابه وعقابه فقال الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) (التوبة: 34-35).واوجب اخراج الزكاة على الاغنياء حتى لا تكون الاموال متداولة بين جماعة معينة فقط .. بقوله تعالى (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (الحشر: 7).

ويقوم المنهج الاقتصادي الإسلامي لعلاج مشكلة البطالة على المفاهيم والأسس الآتية:

- تنمية الباعثِ والحافزِ على العملِ، بصرفِ النظر عن التأهيلِ العلمي والوضع الاجتماعي؛ باعتبار أنَّ العملَ عبادةٌ، شرف، قيمة، عزة، كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للصحابي الذي جاء يطلب الصدقةَ: "اذهب واحتطب"، (المنهج التربوي لإيجادِ العامل ذي القيم والأخلاق.

- تطبيق الصيغ الإسلامية لتمويل المشروعات الصغيرة والقائم على المشاركة وليس الفائدة، وهذا هو الاتجاه العالمي الآن (المنتجات الاستثمارية الإسلامية.

- إنشاء مراكزِ التدريبِ المهني والحرفي تحت رعاية المنظمات والمؤسسات غير الهادفة للربح، مع إعطاء بعض الآمال لدعم المتفوقين؛ لتمويل مشروعاتهم بنظام القرض الحسن أو المشاركة (التدريب الفَعَّال.

-الاهتمام بنظامِ الزكاة، والقرض الحسن، والهِبات والوصايا، والوقف لدعم مشروعات علاج البطالة (دور المؤسسات الخيرية الاجتماعية).

- تجنُّب الإسراف والتبذير على المستوى القومي في النفقاتِ العامة، فعلى سبيل المثال، توجيه النفقات العامة في مجالِ الكمالياتِ والترفيهاتِ وتوجيهها لتمويلِ المشروعات الصغيرة (ترشيد النفقات العامة)

- دعم سُبل التعاونِ من خلال الإخوةِ بين الدول العربية والإسلامية، وتطبيق قول الله تبارك وتعالى: ﴿(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 2) (السوق العربية الإسلامية المشتركة).

- توجيه البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية لدعم المشروعات التي تستوعب أكبر عددٍ من العاطلين (دور المصرفية الإسلامية في تمويل المشروعات الاستثمارية.

- حماية المشروعات الموجهة لعلاج البطالة من اتفاقياتِ الجات بقرارٍ جمهوري

- إلغاء كافة أنواع الرسوم والضرائب والإكراميات والرشوة التي تعوق مشروعات علاج البطالة (ترشيد الضرائب).

وخلاصة القول: يقوم المنهج والبرنامج الاقتصادي الإسلامي لعلاج مشكلة البطالة على عدةِ محاورَ عمليةٍ منها :

إعداد الإنسان إعدادًا أخلاقيًّا وفنيًّا، وتوفير التمويل اللازم للمشروعاتِ بالصيغِ الإسلامية، وحماية الدولة للمشروعات التنموية من خلال إعادةِ النظر في الضرائب ونحوها، وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في دعم المشروعات الصغيرة، وهذا يؤكد أنَّ الإسلامَ قد عالج جميع المشكلات ولم يتركها بدون حل.

فهل يمكن للحكومةِ أن تستفيدَ من هذا المشروعِ الاقتصادي الإسلامي لعلاجِ مشكلةِ البطالة، وتؤمنَ بقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ﴾ الحديد: من الآية

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “البطالة … مشكلة مزمنة تبحث عن حل”

  1. ممتاز يا شيخ علاء ولكن لا أمل في الدوران في دولاب النصح لهؤلاء الأقزام

    هذا بحث قد يفيد في المستقبل

    ولكنه مستقبل لن يجيء بالأماني ولكن لابد من ثمن يدفع

    ابشر يا شيخ

    قريبا سنعرف الطريق

  2. بحث جيد في قضية تؤرق الأمة العربية والإسلامية .. وانا على وجه الخصوص معجب باسلوب عرضك للمعلومات

  3. بحث أكثر من رائع ومن أهم خطوات العلاج هو عدم الجمع بين اكثر من وظيفة وراتب لعلية القوم فى بلادنا الاسلامية وتوزيع حجم العمل على عدد الموظفين فى كل مصلحة

    وجزاك الله خيرا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر